03.18مَاتَ الحَبِيبُ جَدِي وَلَكَم نَزِفتُ على فِرَاقِهِ ,,, مَاتَ ولَم يُبْقِ لِيَ سِوَى ذِكرَياتِه
( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) سورة البقرة
تاريخ اليوم : 02/04/1431هـ
الوقت : الثالثة والنصف صباحاً
الحدث : عام مضى على رحيلك في صبيحة الأحد 02/04/1430هـ
عام مضى على فراقك , عام مضى على أغلى الشموع التي فقدنا , عام مر علينا لا طعم لا ريح له ولا لون .
كل يومٍ يزداد اشتياقنا فيه إليك , الجميع مشتاقون إليك , أنا وغيري , اشتقنا لفرحك وغضبك , حتى الجمادات بدت لي تشتاق إليك .
كم اشتاق إلى تقبيل يديك ورأسك , كم اشتاق إلى عناقك , اشتاق كثيراً إلى مسامرتك وضحكاتك وعتابك أيضاً .
كل شيء حولي يذكرني بك ! فهذه حديقة منزلك قد ذبلت أوراق شجيراتها وكأنها تشتاق إليك , وتلك سيارتك القابعة في سرداب منزلك بلا حراك , والكرسي الذي كنت تجلس عليه تراقبني وأنا في المسبح أتظاهر بالغرق لأغيضك , كأس الشاي الذي كنت تستخدمه كل صباح مازلت أرتوي به كل يوم , غرفة نومك التي أمر بها دون أن أجرؤ على دخولها من بعدك , مكتبك المنزلي وجدتي التي شاخت عشرة أعوام في عامٍ بدونك .
مازلت أذكر الأيام التي سبقت رحيلك عنا وكيف مرَضت , وكيف اشتد عليك المرض , فقبل عشرة أيامٍ من ساعة الرحيل , في النهار كان الزوار يتهافتون لزيارتك والاطمئنان على صحتك , وأنت على فراش المرض تأن من آلامك وتنادي بصوت مبحوح مكتوم لا يسمعه إلا من اقترب من بـ يالله , يالله .
وبعد المغرب كان وصولي لزيارتك بشوق كما هو الحال كل يوم , دخلت مجلسك وأنت مـُستلقٍ على فراشك فما أن ألقيت السلامَ على الحضور إلا بك تنادي باسمي : عبدالله عبدالله فأجيبك لبيك , فتقول حـُك ظهري وهمز ليَ عظامي فأردفك في سريرك لأهمز لك , فأشّد عليك كي أأنس بتنهيداتك والحضور لي يوبخون مالك وجدك اتركه في حاله , لأجيب عليهم بابتسامة ساخرة فترد أنت سابقني مالكم به , اشتكيتكم منه ؟
وفي المساء أخبروك أن غداً خطبة إحدى حفيداتك فعم الفرح أرجاء المكان وكنتَ أشد الفرحين .
في اليوم التالي وقبل تسعة أيام , كان الوضع كما هو عليه كل يوم فزائر قادم وآخر خارج وأنت على سرير المرض تأن بـ يالله , يالله .
وفي المساء وتحديداً بعد صلاة المغرب التم أبنائك وأحفادك وحضر زوج ابنتك وأهلة , وكنت أنت قد لبست ثوبك وتزينت حتى حضر المأذون وعُقد النكاح بحضورك , ثم طلبت أن تعود لدارك فجلستُ إلى جانبك لأهنئك إلا أنك انفجرت بالبكاء حتى أبكيتني ومن معي لتقول لم يبقى من العمر شيئاً وأنت لم تفرحني بزواجك !!! رددت عليك لا بأس ستقوم بالسلامة ونفرح سوياً بزواجي ومن ثم بأبنائي ليستمر بكائك بشكل غريب لم نعتده من قبل حتى أنهكت قواك لتفاجئنا بقولك حتى حفل زفافها لن أحضره !!!
قبل ثمان أيام , وبعد صلاة الجمعة توافد الزوار للزيارة , إلا أن الوضع اختلف اليوم فقد رفضت أن يخرج أياً منهم قبل أن يشاركوك الغداء ورفضت إلا أن تجلس كباقي الحضور دون أن تقوى على ذلك حتى أني تناوبت مع أبي وأعمامي على إسناد ظهرك كي تتمكن من الجلوس , كنا نرجوك أن تستلقي على سريرك فترفض بعنف إلا أن تنفذ ما تريد كما عهدناك دوماً , فتفاجئنا بالاعتذار ممن أخطئت في حقهم بقصد أو دونه وتطلب من الجميع الحل والسماح قبل الممات ثم تجهش بالبكاء وتبكي كل الحاضرين بشكل مخيف حتى أن أحداً لم يمد يده إلى الغداء من هول الموقف .
في المساء اشتد الألم عليك فأحضرنا الطبيب الذي وصف لك بعض المهدئات التي جعلتك تغط في سباتٍ عميق .
في اليوم السابع , كان الوقت عصراً وأنا في طريقي لمنزلك فإذا بهاتفي يرن وكان على الطرف الآخر عمتي التي طلبت من الحضور فوراً لأجيبها أني في طريقي إليكم .
عندما دخلت إلى مجلسك فإذا بك تصرخ من شدة الألم وعَمِّي وعماتي برفقة جدتي يرجونك أن يذهبوا بك إلى المشفى فترفض واستمر معهم بالمحاولة , ثم يشير لي عمي بأن أُدخل السيارة إلى قريب من الباب لنحملك إليها كما يُحمل الطفل وأنت تصرخ فننقلك إلى مستشفى القوات المسلحة بالرياض
مازلت أذكر كيف كنت ضاماً جسدك الطاهر وأنت تصرخ من الألم في الكرسي الخلفي وأعين عمي تارة على الطريق وأخرى ترقبنا وجدتي في الأمام تبكي خوفاً عليك
فنصل إلى قسم الطوارئ ليقرر الأطباء بقائك تحت الملاحظة هناك , بقينا حتى المساء حواليك نبكي وأنت لا تشعر إلا بالأسلاك الطبية التي تحيط بك من كل مكان .
في اليوم السادس , ما أن صحوت من نومي إلا بي أسير لاشعورياً لزيارتك وما أن بدأت الزيارة حتى ازدحمت غرفتك بالزوار وأنت في مرحلة اللاوعي وانتهى اليوم على ذلك .
في اليوم الخامس , صحوت على اتصال يبشرني أنك أفقت من نومك وأن صحتك في تحسن كبير , لأذهب لزيارتك فوراً فجلسنا سوياً وكنت تطلب مني أن أخرجك من هنا إلى البيت , فأتهرب بفتح مواضيع أخرى وعند المساء أخبرت والدي وأعمامي بذلك فرفضوا , إلا إنك أبيت وطلبت من الطبيب إخراجك فورا فوافق كون بقائك لديهم لايفيد لأخرج وإياك بعد رفضك الذهاب مع غيري .
اليوم الرابع قبل الرحيل , مازالت حالتك الصحية في تدنٍ مستمر , تإن من الألم , ترفض الأكل بكل الوسائل والسبل , لا تقوى الحـِراك , ترفض تناول الدواء , كل ماتطلبه هو أن نبقى قريبون منك وتدفئتك رغم أن الجو معتدل مائلٌ إلى الحرارة .
اليوم الثالث قبل الرحيل , ساءت حالتك فنقلت إلى المشفى , فقرر الأطباء تنويمك هناك ومنعك عن الزوار .
اليوم الثاني , مازل وضعك في تردٍ مستمر فلا طعام تشتهي ولا حراك تقوى عليه , بعد صلاة المغرب اتصلت بي والدتي لأدعو الله قبل الرد أن لا تفاجئني بمكروه أصابك , فطلبت مني الحضور فوراً إليك , حضرت فإذا بك لا تعي الحضور حولك إلا بشق الأنفس , كنت ألعب بيدك كما كنت أفعل في صغري وعينيّ تهب من الدموع أمطاراً لتنادي باسمي بصوت مبحوح : عبدالله , عبدالله ليرد أحد الحضور مختبراً إياك بأني غير موجود لتجيب ( هذا عبدالله وهذه ريحته ) عبدالله , عبدالله ( رجعني البيت , ابرجع البيت ) فاستمر بالبكاء داعياً الله لك بالشفاء , أرد عليك ( بترجع ان شاءالله بالسلامة , لاتشيل هم , بكرة تقوم زي الشباب , ونتزوج أنا واياك ) .
قبل يوم من رحيلك , سبحان الله لم يشأ الله أن أزورك هذا اليوم لظرفٍ منعني من الحضور , كنت اتصل مراراً بأبي الذي كانت ليلته في مرافقتك لأطمئن عن حالك , كان يقول لي : بأنك كما أنت لم تتحسن .
مضى اليوم واستدل الليل أستاره وأبي معك في المشفى , أما أنا فلم أبَت تلك الليلة في البيت , في لأفاجئ فجراً برنين الهاتف ! كان على الطرف الآخر والدتي !! كان صوتها ليس بالذي أعهد !!!
هي : ألو , عبدالله , وينك ؟
أنا : هلا , ليه ! وش فيه ؟
هي : ليش أحد قالك شيء ؟
أنا : إيه أدري فلان مات عندي خبر , في منامي تلك الليلة
حلمت بأن شخصية كبيرة قد انتقلت إلى رحمة الله
( كانت نفس الشخصية تتلقى العلاج خارج المملكة )
هي : جدك ياعبدالله , جدك ياعبدالله .
أنا بذهول وخوف : وش فيه ؟؟؟
هي : مات ياعبدالله , مات , جدك مات !
أنا : كذابه ( لم أقلها مسبقاً لأمي )
هي : والله مات , وكان يسأل عنك !
أنا : وينه ألحين .
هي : كم يبي لك عشان توصل للمستشفى .
أنا : نص ساعة وأكون وسط الرياض .
هي : خلاص روح هناك , أبوك وعمانك كلهم هناك .

انتهت المكالمة لأجهش في نوبة بكاء , أسير فيها لاشعورياً إلى سيارتي ضارباً بالأنظمة المرورية عرض الحائط حتى اختصرت الطريق في وقت يسير , وقبل أن أصل اتصلت بي مرة أخرى لتطلب مني التوجه لمنزلك , عكست الطريق العام , وصلت لمنزلك لأرى الجموع قد اجتمعت هناك , وما أن وقفت سيارتي إلا بعد منهم يحاول الوصول إلي فأتخطاهم لأعانق أبي في المجلس الذي كنت تستلقي فيه قبل أيام لاستقبال ضيوفك , ثم أجهش وإياه بالبكاء , وما أن هدأنا حتى بدأنا بتجهيز جنازتك ثم دفنك والصلاة عليك , مرت أيام العزاء بشكل غريب , فبعد أن كنت لاتفوت واجبها حتى في مرضك أصبحنا نستقبل المعزين فيك , حضروا من كل مكان , من المملكة وخارجها , غنيّهم وفقيرهم , صغيرهم وكبيرهم , رجالاً ونساء .
إنتهى العزاء ونحن تائهون غير مصدقين أننا فقدنا , ولكن هذه هي سنة الحياة تنتهي بالممات , أمطرت بعدها سماء الرياض كثيراً , كأن سمائها شعرت بغيابك فَهلّت الدموع لرحيلك .
( اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان ، اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه واعف عنه ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ، اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله ، اللهم أدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار وافسح له في قبره ونور له فيه ، اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تضلنا بعده )
اللهم إنا ودعنا جدي في مثل ليلتنا هذه , فيا كريم في مثل هذه الساعة المباركة أحط قبره برحمة منك ونوراً , اللهم ووسع له في لحده كما وسعت بين السماء والأرض , اللهم اجعله بجوارك مطمئناً , وبفضلك وجودك قريراً , وبنعيمك وواسع رحمتك آمناً .


الله يرحمه ويغفر له
والله يصبركم على فراقه